السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

23

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

كل مكان ، ولكن لم ترهم العيون ، ولذلك سموا جنا ، ومنه الجنين لعدم رؤيته أيضا ، ولولا لطف اللّه على بني آدم بإخفائهم عنا لرأيت العجب العجاب من أفعالهم ولنغّصوا علينا عيشنا في هذه الدنيا . وقد مرّ في الآية 27 من الأعراف في ج 1 أنهم يروننا ولا نراهم ، وبمقابلة هذا أنا نراهم في الآخرة ولا يروننا ، راجع هذه الآية أول سورة الجن والآيات من النمل والقصص في ج 1 والكهف والصّافات في ج 2 كي تطمئن بوجودهم وأعمالهم وأفعالهم ، وإن إنكار وجودهم كفر لمخالفة نص الآيات والأحاديث الصريحة وإن من ينكر وجودهم فبسبب الصدأ المتراكم على قلبه ، أجارنا اللّه من أمثالهم . ثم إن اللّه تعالى أعطى إبليس ملك الأرض وسماء الدنيا وخزانة الجنة ، وهو جلّ شأنه يعلم مصيره ولكن ليظهر للناس أن النفس الخبيثة لا يؤثر فيها شيء ولا يصلحها شيء البتة ، فأعجب بنفسه وغبطته الملائكة ، وأول شر ظهر منه الإعجاب بنفسه لأنه ؟ ؟ من المهلكات ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه . « قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ » كالجن الذين أسكنتهم فيها قبل وفعلوا ما فعلوا ، وكان الحكمة من مخاطبتهم بذلك وهو غني عن المشورة ليسألوا هذا السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا الحكمة من استخلافهم قبل كونهم ، وقالوا كيف تفعل ذلك وتفصينا « وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ » فيها ولا نعصيك طرفة عين ولا نفسد فيها أبدا كالجن الذين أسكنتهم فيها « قالَ » تعالى مجيبا لهم عن ظنهم بالخليفة الذي أريد وضعه في الأرض بدلا من الجن الذين أفسدوا فيها وشهدت الملائكة عليهم بالإفساد ، كلا لا تظنوا يا ملائكتي هذا الظن « إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ » ( 30 ) من المصلحة والحكمة . ولا يقال من أين علموا أن من يستخلفهم اللّه في أرضه يفسدون فيها إذ لا يعلم الغيب إلا اللّه ، لأنهم لما رأوا إفساد الجن وقتل بعضهم بعضا في الأرض وان اللّه تعالى يريد استخلافهم بهذا الخليفة ظنوا أنهم يقتفون أثرهم ، لأن اللّه تعالى ألهمهم ذلك كما هو ثابت في علمه الأزلي ، الاستفهام على طريق التعجب لا الاعتراض ، فلا دليل فيه على عدم عصمة الملائكة ، لأن الاعتراض على اللّه من أعظم الذنوب ، والمراد بالخليفة هنا هو آدم عليه السّلام ،